تبدو الصورة الاقتصادية للذكاء الاصطناعي متناقضة للوهلة الأولى: أسعار استخدام النماذج الأساسية تتراجع، لكن تشغيل الوكلاء القادرين على تنفيذ مهام متعددة قد يصبح أكثر تكلفة خلال السنوات المقبلة. وتربط تقديرات جارتنر هذا الاتجاه بانتقال المؤسسات من المحادثات القصيرة إلى أنظمة تنفذ سلاسل طويلة من الاستدعاءات، وتستعين بالأدوات، وتراجع النتائج، وتعيد المحاولة عند الحاجة.
تفاصيل الخبر
جوهر المشكلة أن تكلفة الرمز الواحد لا تمثل تكلفة إنجاز المهمة كاملة. فالوكلاء لا يرسلون طلباً واحداً ثم يتوقفون عادة، بل يمرون عبر خطوات متتابعة تشمل فهم الهدف، والبحث في مصادر أو قواعد بيانات، واستدعاء أدوات خارجية، وتحليل المخرجات، ثم اتخاذ قرار أو تنفيذ إجراء. وكل خطوة إضافية قد تضيف سياقاً جديداً ورموزاً أخرى إلى الفاتورة.
وتشير التقديرات المتداولة حول توقعات جارتنر إلى أن الوكيل قد يستهلك من الرموز ما يزيد عدة مرات على ما يستهلكه روبوت محادثة تقليدي عند التعامل مع المهمة نفسها. لذلك فإن انخفاض سعر الرمز قد يشجع الشركات على تصميم مهام أكثر تعقيداً أو السماح للأنظمة بالعمل لفترة أطول، فتلتهم زيادة الاستخدام الوفر الناتج عن انخفاض السعر الوحدي.
ويظهر هذا الأثر بوضوح في الوكلاء الذين يعملون بصورة شبه مستقلة. فالنظام المخصص لخدمة العملاء، مثلاً، قد يقرأ سجل المحادثة، ويتحقق من بيانات الحساب، ويستشير سياسة داخلية، ويقترح حلاً، ثم يطلب موافقة أو ينفذ تغييراً في النظام. أما الوكيل البرمجي فقد يفحص ملفات عديدة، ويشغل اختبارات، ويحلل الأخطاء، ويعيد بناء أجزاء من الشيفرة، ما يجعل عدد دورات التفكير والتنفيذ عاملاً حاسماً في التكلفة.
لهذا السبب، لا يكفي أن تراقب المؤسسة السعر المنشور لكل مليون رمز. القياس الأكثر فائدة هو تكلفة سير العمل الكامل: كم كلفت معالجة طلب دعم واحد؟ وكم استهلك إنشاء تقرير؟ وما مقدار الإنفاق على كل عملية نشر برمجية أو مراجعة مستند؟ هذا النوع من القياس يكشف الوكلاء أو الخطوات التي تستهلك الموارد دون أن تضيف قيمة متناسبة.
أحد الأساليب العملية للحد من الإنفاق هو توزيع المهام على مستويات مختلفة من النماذج. يمكن استخدام نموذج أقل كلفة للفرز، واستخراج المعلومات، والتصنيف، والردود الروتينية، ثم تصعيد الحالات المعقدة فقط إلى نموذج أقوى. لكن نجاح هذا التوزيع يتطلب اختبارات واضحة حتى لا يؤدي التوفير الأولي إلى أخطاء تفرض إعادة العمل أو مراجعة بشرية مكلفة.
وتشمل الإجراءات الأخرى تقليص السياق المرسل في كل دورة، وحذف السجلات القديمة غير الضرورية، وتنسيق مخرجات الأدوات في صيغ موجزة، والاستفادة من التخزين المؤقت عندما تتكرر التعليمات أو البيانات نفسها. كما ينبغي وضع حد أقصى لعدد الدورات والاستدعاءات في كل مهمة، مع ميزانية مسبقة توقف التشغيل أو تطلب موافقة بشرية عند تجاوزها.
ولا تنفصل إدارة التكلفة عن تصميم الوكيل نفسه. فإضافة عدة وكلاء فرعيين إلى مهمة واحدة قد تبدو وسيلة لرفع الجودة، لكنها قد تخلق حلقات مراجعة وتنسيق ترفع الاستهلاك بسرعة. لذلك تحتاج الفرق إلى تحديد الوظيفة التي تستحق الاستقلالية فعلاً، والتمييز بين المهام التي يمكن تنفيذها بقواعد ثابتة أو بأتمتة تقليدية، وتلك التي تستفيد من قدرات النموذج اللغوي.
اقتصاديات الوكلاء ستصبح أكثر حساسية مع انتقال مزودي الخدمات إلى نماذج تسعير مرتبطة بالاستهلاك بدلاً من الرسوم الثابتة لكل مستخدم. وقد يمنح هذا التحول المؤسسات مرونة أكبر في التوسع، لكنه يجعل الفواتير مرتبطة بتذبذب الطلب وبسلوك الوكلاء وبعدد مرات إعادة المحاولة. ومن ثم ستحتاج إدارات التقنية والمالية إلى لوحات متابعة تعرض التكلفة بحسب الفريق، والتطبيق، ونوع المهمة، ومرحلة التنفيذ.
الخلاصة أن انخفاض أسعار النماذج لا يضمن تلقائياً انخفاض تكلفة الذكاء الاصطناعي في المؤسسة. العامل الحاسم هو مقدار العمل الذي تطلبه الشركة من الوكيل، وعدد الأدوات التي يستدعيها، وحجم السياق الذي يحمله، والضوابط الموضوعة لمنع التكرار والانفلات. وكلما اقتربت المؤسسات من اعتماد وكلاء يعملون باستمرار، أصبحت هندسة سير العمل ومراقبة الإنفاق شرطين أساسيين لتحويل التجربة إلى استخدام قابل للاستمرار.
العودة إلى جميع الأخبار


